الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

85

مختصر الامثل

لقد ضيعوا كل شيء وكأنّهم أرادوا أن يكون النبي الموعود من بني إسرائيل ، ولهذا تألموا من نزول القرآن على غيرهم ، بل ممن شاءه اللَّه : « أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ » . ولذلك شملهم غضب اللَّه المتوالي : « فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ » . « باءو » : بمعنى رجعوا - وأقاموا في المكان - وهنا تعني استحقاقهم لعذاب اللَّه ، فكأنّهم عادوا وهم محملون بهذا الغضب الإلهى ، أو كأنّهم اتخذوا موقفاً يغضب اللَّه . هؤلاء القوم كانوا يعيشون على أمل ظهور النبي المنقذ ، قبل دعوة موسى وقبل دعوة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وكان موقفهم من الرسولين الكريمين واحداً ، هو النكول والإعراض ، واستحقوا غضب اللَّه وسخطه مرة بعد أخرى . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 ) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 92 ) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) العصبية القومية لدى اليهود : يشير القرآن مرة أخرى إلى عصبية اليهود القومية ويقول : « وَإذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ » . فهم لم يؤمنوا بالإنجيل ولا بالقرآن ، بل إنّهم يدورون حول محور العنصرية والمصلحية ، فيجرأون على رفض الدعوة التي جاءت تصديقاً لما معهم في التوراة : « وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدّقًا لِّمَا مَعَهُمْ » . ويكشف القرآن زيف ادّعائهم مرة أخرى حين يقول لهم : « قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » . هؤلاء يدّعون أنّهم يؤمنون بما أنزل عليهم ، فهل التوراة تبيح لهم قتل الأنبياء ؟